السيد عباس علي الموسوي
481
شرح نهج البلاغة
ويغذيهما شوقا إلى اللّه وتطلعا إلى ما عنده وهذه حالة المحب مع من يحب . . . فإذا صدق الحب في القلب انعكس دمعة تترقرق وشوقا يتحرك وحرارة تندفع تطلب من يطفؤها ولا يطفؤها إلا اللقاء . . . ( أتمتلئ السائمة من رعيها فتبرك وتشبع الربيضة من عشبها فتربض ويأكل علي من زاده فيهجع قرت إذا عينه إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة والسائمة المرعية ) استنكر في هذا الكلام على نفسه أن يكون ربيضة أو سائمة فإن السائمة وهي النعم إذا أكلت وشبعت تبرك في مباركها ناعمة البال لا تفكر بغيرها ولا بما يهيى ء لها وكذلك عندما تشبع الربيضة وهي الأغنام الرابضة في مرابضها التي شبعت مما توفر لها من الأعشاب فتربض مطمئنة مرتاحة لا يعكر صفو فكرها أمر . وهكذا علي يأكل زاده وما ادخره ثم يغادر إلى مضجعه ومقر نومه قرير العين لا يفكر برعيته ولا يعيش همومهم وآلامهم وما ينتابهم ويمر عليهم . . . فمن يكون هكذا يتساوى مع البهيمة وحاشا لعلي أن يمر في ذهنه هذا الأمر أو يعرض له مثله ، معاذ اللّه أن يسقط ذلك الشموخ من علوه إلى مستوى السائمة . ثم قال : « قرت إذا عينه » إنكارا واستهزاء بأن يكون حاله كذلك إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة والسائمة المرعية أي معاذ اللّه أن يكون كذلك بعد الجهاد والكفاح والقتال في سبيل اللّه . . . وكيف يختصر تاريخ البطولات بطوله وعمقه ليتحول ذلك العملاق في حياته وعدم مبالاته إلى بهيمة مهملة متروكة تصيب ما تشاء أو يتحول إلى سائمة نعم ترعى من البراري والقفار ومواطن الخير ما تشاء . . . إنه ليس كذلك ولن يكون كذلك . . . ( طوبى لنفس أدت إلى ربها فرضها وعركت بجنبها بؤسها وهجرت في الليل غمضها حتى إذا غلب الكرى عليها افترشت أرضها وتوسدت كفها ) نبه عليه السلام أن النفس إذا استجمعت هذه الصفات كانت من أهل السعادة والكرامة . 1 - أدت إلى ربها فرضها : فما أوجبه اللّه عليها قامت به وأدته بتمامه وكماله . 2 - عركت بجنبها بؤسها : صبرت على بؤسها وشقائها وما يمر عليها من محن ومصائب فلم تخرج به عما يرضى اللّه إلى ما يغضبه . . . 3 - هجرت في الليل غمضها حتى إذا غلب الكرى عليها افترشت أرضها وتوسدت كفها : لم تنم في الليل عندما تنام العيون ولم يغمض لها جفن لأنها مشغولة بالتهجد